الردة مصطلح فقهي شاع استعماله في كتب الفقه الإسلامي، إذ لا يخلو كتاب من كتب الفقه القديمة والمعاصرة، من ذكره وذكر الأحكام الفقهية المتعلقة به؛ باعتباره حدا شرعيا يقضي بإجبار المرتد بالقوة على العودة إلى الإسلام أو قتله إذا أصر على عدم الرجوع إليه. وهو من المصطلحات الأكثر توظيفا من لدن المتطرفين لتبرير قتلهم للمسلمين ولقتل غيرهم، وحجتهم؛ أن الإسلام منهج كامل للحياة فهو، دين ودولة، وعقيدة وشريعة، ومصحف وسيف، ودنيا وآخرة، وليس في أحكامه ما يصادم فطرة الانسان، فمن دخل فيه عرف حقيقته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له، كان في الواقع خارجا على الحق، وحائدا عن الفطرة السليمة. والإنسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الإنسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الإسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الإنساني، لا غنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولا شيء أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لأن الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي.
إن الخروج على الإسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه، والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا القتل. وذلك حماية للدين الإسلامي من أية محاولة للاستهانة به أو تجاوزه باعتباره مصدر تكوين الأمة ومصدر شرعية الدولة. إن هذا الفهم على قدر كبير جدا من الخطورة؛ وخطورته تكمن في أنه يأتي مخالفا للإسلام ولقيمه السمحة في التعامل مع المخالفين، كما أنه يأتي مناقضا لقواعد كلية ومبادئ عامة في الإسلام تدعو إلى حرية الإنسان في التدين بأي دين شاء، وحريته في الخروج من هذا الدين بعد ذلك في أي وقت أراد. ﴿وَقُلِ اِ۬لْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرِۖ﴾ [الكهف: 29].
إذا كانت حرية الاعتقاد مبدأ قرآنيا، فإن الأسئلة التي تطرح هي: كيف يتزامن فعل الحرية مع الإكراه بالعقوبة على الحرية؟ هل من الطبيعي أن يجعل الإسلام وهو دين الفطرة عقوبة على ممارسة الإنسان حقه في الحرية؟ هل الأصل في العقيدة والدين هو الحرية، بحيث يستلزم إنكارها الدليل والبرهان أم العكس؟ هل يحق للمؤمن الخروج من الإيمان إلى الكفر، أي الارتداد عن الإسلام؟ ما هو حكم المرتد في الإسلام؟ هل هناك إجماع على وجوب قتل المرتد؟ أم هي مسألة مختلف فيها؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذه المقالة.











