في الأزمنة المعاصرة ومع بروز الجماعات المتطرفة؛ شاع توظيف مصطلح “الحدود الشرعية”، ومعه التسرع في إقامتها، وأصبح المصطلح عنوانا لشعار “تطبيق الشريعة الإسلامية” عند تلك الجماعات، وثم جعل الحدود الشرعية غاية في حد ذاتها. مع الادعاء أن عدم تطبيق هذه الحدود والتخلي عنها من طرف الحكومات المسلمة، هو السبب في انتشار الفساد والشرور والشرك بالله وضياع حقوق الناس. وأنه على الأمة المسلمة إذا أرادت العودة إلى قوتها أن تطبق شرع الله بإقامة الحدود الشرعية؛ لما فيها من مصلحة للجماعة وأمن المجتمع. فتم اختزال شرع الله في تطبيق الحدود الشرعية، مع ما يصاحب ذلك من فوضى في التطبيق، وتجاوز للشروط والضوابط الواجب مراعاتها في إقامة الحدود.
ولعل من الأهمية القصوى البحث في الكيفية التي مكنت من تحريف المفهوم عن معناه الصحيح، إلى معان مخالفة للمعنى الشرعي لمصطلح الحدود، وكيف دخل هذا المصطلح في نسق مفاهيمي لجماعات التطرف تبتغي بتشديدها على مفهوم الحدود الشرعية معاني أخرى يراد بها التأثير على نفسية المجندين والمستقطبين، بالشكل الذي يجعل من تطبيق الحدود الشرعية غاية قصوى. دون النظر إلى ضوابط تطبيق الحدود والموانع التي يقتضيها الشرع الإسلامي نفسه. بل إن فقهاءنا، والأئمة الكبار منهم بصورة خاصة، كانت لهم جولات اجتهادية في مسألة الحدود؛ وهي عندهم محط اختلاف وليست موضع إجماع.
وعليه فهذا التحريف لدى منظري جماعات التطرف؛ إنما مرده إلى عدم التحديد الشرعي لمفهوم الحدود، وعدم الإحاطة بضوابط الشرع في تطبيقها، ولهذا كانت الحاجة إلى بيان المراد من الحدود الشرعية، وكذا الوقوف عند أنواع هذه الحدود، ومعرفة الجهات المكلفة بها في الفقه الإسلامي، وكذا معرفة المعايير القانونية والقضائية لتنفيذها.











