الحاكمية الإلهية تعبير شاع استخدامه في الأدبيات الإسلامية عموما، وأدبيات الصحوة خصوصا، ليشار به إلى التزام شريعة الله بدلالة ما يرد في بعض الآيات:
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُلْكَٰفِرُونَ} [المائدة: 46].
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُلظَّٰلِمُونَ} [المائدة: 47].
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُلْفَٰسِقُونَ} [المائدة: 49].
{إِنِ اِلْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ يَقُصُّ اُلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ اُلْفَٰصِلِينَ} [الأنعام: 58].
تقابل الحاكمية الإلهية بالحاكمية الوضعية التي ينتجها الإنسان دون التزام بالشرع الإلهي، وبما أن الحاكمية الوضعية تخالف الحاكمية الإلهية. فإن المنطق يتداعى لتترادف الحاكمية الوضعية مع الكفر والشرك، فتتكرس دائرة التناقض ضمن ثنائية حادة، فإما الحاكمية الإلهية وإما الكفر، وعلى هذا الأساس تعد جميع المجتمعات ذات الأنظمة الوضعية مجتمعات كافرة، ولا توسط بين الأمرين.
وبهذا “المضمر الفكري” تتجه بعض الحركات الإسلامية إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتنا بوصفها -أي هذه الحركات- مجسدة في ذاتها وتكوينها إطارا لحاكمية الله، أي إن في داخلها الحركي يكمن “الخلاص”، فهي دون غيرها “مدينة الله” والآخرون “مدن الشيطان”. ويتداعى المنطق فيسبغ هذا الإطار الحركي على نفسه “مشروعية التصرف” باسم الله وحاكميته، فيرى في سبيل غاياته تبريرا لكل الوسائل، مستحلا الأنفس والدماء والأموال، “براحة ضمير تامة”، فكل تصرف يتم بمضمر المشروعية الإلهية، وفي مواجهة الكفر والجاهلية.
أسهم في اضطراب هذا المفهوم ثلاثة أطراف وهم: الطرف الأول: أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، والطرف الثاني: الإسلاميون الذين شرحوا فكر الرجلين، الطرف الثالث: الإسلاميون الذين استنبطوا المفاهيم الشائعة عن الحكم والدولة وقيم السلطة والشرعية انطلاقاً من آيات القرآن، وخاصة سورة المائدة، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الاضطراب جعل هناك حاجة إلى كثير من عمليات التحليل والتفكيك وإعادة التركيب لئلا يساء فهم الإسلام كله من خلال إساءة فهم هذا المفهوم، خاصة وأن مفهوم “الحاكمية” ارتبط بقضايا التوحيد، بل أصبح قرين التوحيد، بحيث صارت تسقط كل عناصر أو مقومات العقيدة من ولاء وبراء وسواهما، مما ترتب عليه من سوء فهم واضطراب.. في داخل المجتمعات الإسلامية.. ومن هنا تصبح عملية إعادة ترتيب الأوراق وتصحيح الأوضاع في هذا المجال أمراً ضرورياً.












