تُعَدُّ رعاية البيئة والحفاظ عليها وحمايتها من كل أشكال الاعتداء والإفساد، من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام قرآناً وسُنَّةً. فكثيرة هي النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الداعية إلَّى الحفاظ علّى المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، تيسيراً لوظيفة الاستخلاف المنوطة به. ولا شك في أن المواءمة بين الإنسان والبيئة من الشروط الأساسية للقيام بمهة الاستخلاف على أتم وجه وأكمل صورة. وهي الحقيقة التي أكدتها أحكام الإسلام من خلال إرشادها المتكرر إلّى الطرق والوسائل الكفيلة بحماية الکون ومکوناته (…)
ولم یعد خافیاً أن البيئة التي یعیش فيها الإنسان، ویستمد منها کل مقومات حیاته، أصبحت تتعرض للانتهاك والاستنزاف، مما أدى إلَى ظهور مشكلات بيئية تهدد سلامة الحياة البشرية. لقد أظهر المشاركون في مؤتمرات الأمم المتحدة للبيئة البشرية، منذ مؤتمر ستوكهولم بالسويد عام 1972م، وعياً بأن بقاء الجنس البشري، أصبح محفوفاً بأخطار متزايدة، بسبب تصرفات الإنسان الخاطئة في البيئة (…)
وترجع أسباب هَذا الغلو في استغلال الطبيعة، إلَى علاقة الصراع والسيطرة بين الإنسان والبيئة، التي ما لبثت تكرسها الفلسفات المادية السائدة، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، والتي انشقت عن فكرة الجدل، جدل الطبيعة وجدل الإنسان، التي قال بها (هیجل)، وطوَّرها من بعدە (مارکس).
إن القول بفكرة جدل الطبيعة وجدل الإنسان، القائمة علَى مبدأ الصراع، وضع الإنسان المعاصر بفلسفاته: الليبرالية، الوجودية، الماركسية… في وضّع حرج، فعملت هَذِهِ الفلسفات على إيجاد قنوات لتصريف هَذَا الصراع؛ فقالت بالصراع في جدل الطبيعة، ونفت الصراع في جدل الإنسان، فكان أن ساد مذهب الفصل بين الإنسان والطبيعة، واعتبار كل ما يحيط بالإنسان خادماً للإنسان وموضوعاً له، فتَمَّ النظر إلَى الكون نظرة مادية عدائية، تقتضي إخضاع الكون لبطش الإنسان، وإحكام سيطرته عليه، على أساس أن الطبيعة آلة وجب تفكيكها، فأصبح مبدأ الصراع هو الذي يحكم حركة الإنسان المادي في علاقته بکل ما يحيط به (…)











