من المسائل الشائكة في عالم الأفكار في العالم الإسلامي كيفية التعرُّف على الغرب ومعرفة أنساقه الفكرية وتجربته الحضارية وخصائصه التي تميِّزه عن غيره من الكيانات الحضارية. الأمر الذي تصبح معه الدعوة إلى تأسيس علم استغراب يُمكِّن من دراسة الغرب وفهم منطلقاته وأهدافه ونظم حياته الثقافية والفكرية، على أساس علمي وعملي، ضرورة حضارية وواجب شرعي.
من المعلوم أن إرهاصات هذا العلم بدأت من فترة بعيدة في تاريخنا الحديث، إلّا أن الصيغة النظرية للاستغراب، باعتباره الوجه الآخر النقيض للاستشراق، وجدت هذه الصيغة أسسها ومرتكزاتها المنهجية في كتاب “مقدمة في علم الاستغراب” لحسن حنفي الصادر سنة 1991م. وقد جعل حنفي مهمة الاستغراب؛ هي فكّ عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركَّب العظمة لدى الآخر بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس والقضاء على مركَّب النقص لدى الأنا، بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس، مهمَّته القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب لغة وثقافة وعلمًًا ومذاهب ونظريات وآراء.
تأتي دراستنا هذه مستفيدة ممَّا طرحه حسن حنفي في “مقدمة في علم الاستغراب” باعتبارها دعوة لتجلية مفهوم “الاستغراب” في أبعاده الدينية والحضارية والثقافية لمحاولة تصحيح الوضع غير المتوازن بيننا وبين الآخر/ الغرب، ودعوة لإنهاء الأشكال الجديدة للهيمنة الغربية، عَبر قيام علم جديد يهتم بدراسة الغرب. علم يمكن من دراسة الغرب، له منطلقات ومرجعية واضحة، وله أهداف وطموحات نافعة.
غرضنا إذًا من هذه المحاولة هو أن نبيِّن دواعي الاشتغال بعلم الاستغراب، والإشارة إلى أهم المداخل النظرية الممكن أن يتأسس عليها هذا العلم. ونأتي بهذا البيان من خلال تناولنا بالدراسة والتوضيح دوافع إنشاء علم استغراب إسلامي، وذلك بعد تناولنا لمفهوم “الاستغراب” بالدراسة من خلال ما استجد على الساحة العلمية والفكرية من نقاش حول المفهوم والرؤى حوله.











